حبيب الله الهاشمي الخوئي

266

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

ولا تفهمون ولا تذكَّرون ، وقد اسمع اسلافكم فسمعوا ، وبصّروا فتبصّروا وذكَّروا فتذكَّروا وعمّروا فنعموا ، وعلَّموا ففهموا . ثمّ حذرهم وأنذرهم بإشراف الابتلاء والمحنة ونزول البلية بقوله ( ولقد نزلت بكم البليّة ) لعلَّه أراد بها فتنة معاوية ودولة بني أميّه ( جائلا خطامها رخواً بطانها ) استعارة بالكناية عن خطرها وصعوبة حال من يعتمد عليها ويركن إليها كما أنّ من ركن إلى النّاقة التي جال خطامها ولمتستقرّ في وجهها وانفها وارتخى حزامها فركبها كان في معرض السّقوط والهلاك . ثمّ أردف ذلك بالنّهى عن الاغترار بالدّنيا فقال ( ولا يغرنّكم ما أصبح فيه أهل الغرور ) من الاغترار بزخارفها ولذّاتها والانهماك في شهواتها وطيّباتها بظنّ دوامها وثباتها ( فانّما هو ظلّ ممدود إلى أجل ) محدود ( معدود ) بينا ترونه سابغا حتّى قلص وزيداً حتّى نقص . تكملة قد أشرنا سابقا إلى أنّ أوّل فقرات هذه الخطبة مرويّة في الكافي باختلاف لما هنا فأحببت أن أوردها على ما هود يدننا في الشّرح فأقول : روى الكلينيّ عن محمّد بن يحيى عن بعض أصحابه عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السّلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام أيّها النّاس إنّ الله تبارك وتعالى أرسل إليكم الرّسول صلَّى الله عليه وآله وسلمّ ، وأنزل عليه الكتاب وأنتم اميّون عن الكتاب ومن أنزله وعن الرّسول ومن أرسله على حين فترة من الرّسل ، وطول هجعة من الأمم ، وانبساط من الجهل ، واعتراض من الفتنة ، وانتقاض عن المبرم ، وعمى عن الحقّ ، واعتساف من الجور ، وامتحاق من الدّين ، وتلظَّ من الحروب ، على حين اصفرار من رياض جنّات الدّنيا ، ويبس من أغصانها ، وانتشار من ورقها ، واياس من ثمرها ، واغورار من مائها . قد درست أعلام الهدى ، وظهرت أعلام الردى ، فالدّنيا متهجّمة « متجهّمة ح » في وجوه أهلها مكفهرّة مدبرة غير مقبلة ، ثمرتها الفتنة ، وطعماها الجيفة ،